المنجي بوسنينة
272
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ولما حانت الفرصة في سنة 1936 بإطلاق الحريات لشعوب ما وراء البحار في عهد حكومة الواجهة الشعبية التي تولت السلطة في فرنسا ، لم يجد بيرم بدا من اهتبالها لإصدار جريدة أسماها « الشباب » ، صدر عددها الأوّل في 29 أكتوبر 1936 . واستمرت لأكثر من خمسة شهور إلى أن عيل صبر السلطات الاستعمارية عليها بسبب شدّتها في النقد والمناهضة والتحامل على الاستعمار الفرنسي وتحريض التونسيين على الثورة . كما كانت الجريدة صوت المناضلين الليبيين للانتفاض على الاستعمار الإيطالي حين كانت تشنّ الحملات المتتالية عليه . ومن ثمّ صدر قرار السلطات بتعطيل « الشباب » ، وكالعادة فإن بيرم الذي تمرس بمثل هذه القرارات ، واعتاد عليها ، احتال مرّة أخرى واستأجر امتياز جريدة لم يكن هو صاحبها وأصدرها باسم « السردوك » ، ومعناه الديك باللهجة التونسية . ونفس التاريخ يعيد نفسه إبان إبعاده من مصر في سنة 1919 ، فقد عطلت جريدة « السردوك » وتقرر إبعاد بيرم إلى بلاد عربية أخرى تقع في مجال الاستعمار الفرنسي وسلطاته ، فكان الاختيار على بلاد الشام ، لبنان وسوريا محطة جديدة للابعاد . ووضع بيرم مرة أخرى يوم 20 أفريل 1937 على متن باخرة في طريقها إلى مرسيليا ثمّ لبنان بعد إقامة دامت خمس سنوات . ويبدو أن بيرم اغتنم فرصة وجوده في سوريا إبان هذه الإقامة التي دامت أقل من سنة واحدة بقليل ، فأعاد صلاته بالكتّاب والفنانين في مصر ، واستشعرت السلطات المصرية والملك فاروق أن وجود بيرم في سورية يمثل خطرا عليها ، فتدخلت لدى فرنسا لتقوم بترحيله إلى مكان آخر . وأذعنت فرنسا لهذه الرغبة وأركبت بيرم باخرة لتقله إلى السنغال وهي أحد مستعمراتها ؛ وفي طريق الرحلة تتوقف الباخرة في مدينة بورسعيد حيث يهتبل بيرم الفرصة ويندس بين المغادرين ليختفي في مدينة القاهرة برهة من الزمن ، إلى أن تتم تسوية وضعيته مع القصر ، ويعفو عنه الملك فاروق . إلّا أنه لم يمنح الجنسية المصرية إلّا سنة 1954 في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، ليواصل بعدئذ حياته مواطنا عاديا ومجرد صحفي في عدد من الصّحف المصرية . وممّا تقدّم يمكن القول بأن بيرم التونسي توفرت في شخصيته القدرة المزدوجة على الكتابة باللغة العربية واللهجة العامية . وقد توفق في التعبير بكلتيهما بنفس القدر والإجادة والتمكن ، وقد كان يستعمل اللهجة العامية في المناسبات والأعراض والأوساط التي تفهم هذه اللهجة وتستسيغها ، بينما كان يكتب باللغة العربية الموضوعات التي لا تكتب إلّا بهذه اللغة وللفئات الاجتماعية التي تطرب لذلك ، وللدواعي التي كان لا يرى محيدا عنها . وبقدر ما كانت اللغة العامية أداته الأولى للقارئ المصري الذي لا يستشعر خطرا يهدد لغته العربية الأم ، فإنه امتنع عن الكتابة بالعامية في تونس لما كان يحسّه من الخطر على هذه اللغة في مواجهة المستعمر الذي كان يشجع على الكتابة باللهجة العربية لدواعي استعمارية استلابية . كما يمكن القول بلا مواربة بأن بيرم شخصيّة قلّ نظيرها بين جميع المثقفين العرب في القرن العشرين ، إذ تحمّل وحده عبء مناهضة